أحمد مصطفى المراغي

26

تفسير المراغي

( وَأَنِ اعْبُدُونِي ) وحدي ، وأطيعونى فيما أمرتكم به ، وانتهوا عما نهيتكم عنه . ثم بين أن ما أمر به ونهى عنه طريق معبّد واضح لا لبس فيه ولا خفاء فقال : ( هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) أي هذا الذي نهيتكم عنه من عبادة الشيطان ، وأمرتكم به من عبادة الرّحمن ، هو الصراط المستقيم ، لكنكم سلكتم غيره فوقعتم في مزالق الضلال وتردّيتم في مهاوى الردى . وبعد أن نبههم إلى أنهم نقصوا العهد وبخهم على عدم اتعاظهم بغيرهم ممن أوقعهم الشيطان في المهالك ، وكانت عاقبتهم ما يرون من سوء المنقلب في الدنيا والآخرة فقال : ( وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً ) أي ولقد صد الشيطان منكم خلقا كثيرا عن طاعتي وإفرادى بالألوهية فاتخذوا من دونى آلهة يعبدونها . ثم زاد في توبيخهم والإنكار عليهم فقال : ( أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ؟ ) أي فلم يكن لكم عقل فترتدعوا عن مثل ما كانوا عليه كيلا يحيق بكم من العذاب مثل ما حاق بهم . وبعد أن أنّبوا ووبّخوا بما سلف خوطبوا بما يزيدهم حسرة وألما فقيل لهم : ( هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) أي هذه هي جهنم التي كنتم توعدون بها على ألسنة الرسل والمبلّغين عنهم إذا أنتم اتبعتم وساوس الشيطان ، وعصيتم الرّحمن ، وعبدتم من دونه الأصنام والأوثان ، واجترحتم الفسوق والعصيان . ثم أمرهم أمر إهانة وتحقير لهم بقوله : ( اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) أي احترقوا بها اليوم ، وقاسوا حرها الشديد بسبب جحودكم بها في الدنيا ، وتكذيبكم إياها ، بعد أن نبهتم فلم تنتبهوا ، وأوقظتم فلم تستيقظوا . وخلاصة ذلك - إنه قد ذكر ما يوجب الحزن والأسى من وجوه ثلاثة :